يعيش الشرق الأوسط ساعات مفصلية تتأرجح فيها المؤشرات بين التهدئة الدبلوماسية والتصعيد الميداني. ومن يتابع ملف “حرب إيران مباشر” لحظة بلحظة يلمس حجم التضارب في المعلومات حول مضيق هرمز، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى جولة مفاوضات تقنية في سويسرا. هذا المقال يقرأ المشهد المتشابك بين إعلان طهران إغلاق الممر الملاحي ونفي واشنطن، وما يعنيه ذلك لمسار التهدئة.
إعلان الإغلاق.. ونفي أميركي
أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، رداً على مواصلة إسرائيل هجماتها في جنوب لبنان. لكن الجيش الأميركي سارع إلى نفي ذلك، إذ قال المتحدث باسم القيادة المركزية تيم هوكينز إن «إيران لا تسيطر على مضيق هرمز، وحركة الملاحة مستمرة، والقوات الأميركية تراقب الوضع لضمان استمرار ذلك».
وتعزّزت الرواية الأميركية بمعطيات ميدانية، إذ أعلن الجيش أن 55 سفينة تجارية عبرت المضيق في اليوم نفسه، وأن حركة السفن شهدت زيادة. كما نقلت «أكسيوس» عن مسؤول عسكري أميركي رفيع أنه لا يرى بعد أي تحركات عسكرية إيرانية تشير إلى احتمال إغلاق فعلي.
رسائل متبادلة حول الرسوم والحقوق
لم يخلُ المشهد من سجال سياسي حول مستقبل الممر. فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه لن تكون هناك رسوم عبور في مضيق هرمز إلا إذا فُرضت من قبل أميركا ولصالحها، معتبراً واشنطن «الحارس للشرق الأوسط». في المقابل، شدّد مسؤول الشؤون السياسية في بحرية الحرس الثوري على أن إيران «تتفاوض من أجل استيفاء حقوقها لا لتقديم تنازلات»، محذّراً من أنها «لن تتراجع أبداً» إذا لم يلتزم الطرف الآخر بتعهداته.
أسئلة القيادة في طهران
تتزامن هذه التطورات مع تساؤلات متجددة حول بنية القرار في إيران ومستقبل قيادتها، وهي نقاشات تتردد فيها أسماء عدة، من بينها ما يُثار حول مجتبى خامنئي ودوره المحتمل في المشهد. فمثل هذه التساؤلات تكتسب أهمية في لحظة تفاوض دقيقة، لأن وضوح مرجعية القرار يؤثر مباشرة في قدرة طهران على الالتزام بأي تفاهمات وتنفيذها.
الوفد الإيراني في طريقه إلى سويسرا
على المسار الدبلوماسي، أعلنت الخارجية الإيرانية أن وفداً غادر إلى سويسرا لمتابعة تنفيذ تعهّدات الطرف المقابل وفق مذكرة التفاهم. وبحسب التلفزيون الإيراني، يضم الوفد محافظ البنك المركزي ونائب وزير النفط ومسؤول الشؤون الدولية في مجلس الأمن القومي. وتُعقد المحادثات التقنية الأميركية – الإيرانية برعاية باكستان وقطر كدولتي وساطة، بعد تأجيلها عن موعدها المقرر.
وفي هذا الإطار، يمكن تلخيص أبرز عناصر المشهد التفاوضي في النقاط التالية:
- نائب الرئيس الأميركي توجّه إلى سويسرا، مؤكداً أنه لا يستطيع البقاء أكثر من يوم أو يومين.
- المبعوثان الأميركيان موجودان على الأرض لإجراء المحادثات.
- وزير الداخلية الباكستاني التقى وزير الخارجية الإيراني لمتابعة المسار.
- صحيفة «واشنطن بوست» أشارت إلى أن لا واشنطن ولا طهران ترغب في انهيار التهدئة بالكامل.
الوساطات الإقليمية تتقدّم
من اللافت أن مسار التهدئة لم يعد حكراً على واشنطن وطهران، بل دخلت على خطة وساطات إقليمية فاعلة. فقد تولّت باكستان وقطر دور الوسيط في المحادثات التقنية، فيما تحرّكت طهران داخلياً عبر اجتماع رئاسي ناقش مسار المفاوضات المقبلة وصون المصالح الوطنية. هذا التعدد في قنوات الوساطة يعكس إدراكاً مشتركاً بأن انهيار التهدئة سيكون مكلفاً للجميع، لا للطرفين المباشرين فحسب.
كما أن حرص الجانبين على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، رغم لغة التصعيد العلنية، يوحي بأن كلاً منهما يسعى إلى تحسين شروطه التفاوضية أكثر من سعيه إلى تفجير المسار. وبهذا المعنى، يمكن قراءة إعلان الإغلاق ونفيه باعتبارهما جزءاً من لعبة ضغط متبادل، تتقدّم فيها الرسائل على الرصاص، وتبقى فيها طاولة سويسرا الملاذ الذي يراهن عليه الوسطاء لتثبيت ما تبقّى من تفاهمات.
قراءة في المعطيات
يكشف هذا التباين بين «إعلان الإغلاق» و«استمرار الملاحة» أن جزءاً من المواجهة بات يُدار بالرسائل والرموز بقدر ما يُدار بالميدان. فطهران تستخدم ورقة هرمز للضغط، فيما تحرص واشنطن على تثبيت صورة الاستقرار حفاظاً على تدفق الطاقة. وبين الطرفين، يبقى مسار سويسرا الاختبار الحقيقي لما إذا كانت مذكرة التفاهم ستصمد أم تتعثر.
البعد الاقتصادي حاضر بقوة
ويبقى البعد الاقتصادي حاضراً بقوة خلف كل هذه التحركات، فاستقرار الملاحة في الخليج يرتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي وأسعار النفط. ولهذا يتابع المجتمع الدولي تطورات الممر بقلق بالغ، إذ إن أي خلل ولو محدود قد ينعكس على الأسواق ويزيد الضغوط على اقتصادات بعيدة عن مسرح الأحداث، ما يجعل تثبيت التهدئة مصلحة عالمية لا إقليمية فحسب.
في الختام
يبدو أن معركة هرمز الراهنة هي معركة إدراك وصورة بقدر ما هي معركة سفن وممرات، وأن نجاح التهدئة مرهون بقدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات إلى خطوات قابلة للتحقق. فبرأيك، هل تكفي المفاوضات التقنية في سويسرا لتثبيت الاستقرار، أم أن المنطقة ما زالت على حافة جولة جديدة؟ شاركنا قراءتك للمشهد.
